نتطرق إلى حالات هروب الشغالات من المنازل، والتي أصبحت تُشكل ظاهرة واضحة للعيان، وأسبابها كثيرة، فأحيانًا يكون التعامل مع الشغالة غير إنساني، وأحيانًا بسبب عدم توقعات الشغالة لحجم وضغط العمل، وأحيانًا أخرى بسبب التأثير السلبي من معارف الشغالة الأجانب، وغيرها من الأسباب، لكن أهم الأسباب وأخطرها: وجود عصابات تُشجّع العاملات على الهرب من أجل العمل في تجارة الرذيلة، والتي يظنون أنها الأكثر ربحًا بالنسبة لهن، خاصة وإن بعض المجتمعات الأجنبية في ثقافتها وعاداتها لا تعتبر تجارة الجسد رذيلة، وبالطبع لا دليل ولا مستمسك لدى المواطن على ذلك، ولو رصدنا حالات الهروب وتنوعها لكان من الممكن عمل مسلسل درامي من مائة حلقة وحلقة.
ومن ضمن الحالات التي وردت لنا من زوجة تشكو حالها، وهناك آلاف الحالات المشابهة لها والأسوأ منها، فالحالة التي بين أيدينا استطاعت الشرطة القبض على الشغالة وأعادتها للوكالة، لكن أغلب حالات الهروب تختفي فيها الشغالة وكأنها إبرة في كومة من القش.
تقول الزوجة: " أعمل بدوامين، وانتظرتُ وصول الشغالة بفارغ الصبر، ولم أصدق نفسي حينما اتصلت وكالة الأيدي العاملة لتخبرني عن وصولها، وعندما وصلت الشغالة سألتها عن مدى إلمامها بالطبخ، أجابت: طبيخ ما أعرف!
توكلتُ على الله وقلت في نفسي المطاعم كثيرة ولا مشكلة.
دخلت الشغالة بيتي، وعرفتُ من لهجتها بأنها كانت تعمل سابقًا في دولة عربية، استبشرتُ خيرًا، وظلت الشغالة شهرًا تمارس عملها بشكل طبيعي، وكنتُ يوميًا أوصيها قبل أن أخرج إلى العمل صباحًا مصطحبة أولادي إلى المدرسة بالحذر وعدم فتح الباب لأي غريب، وكنتُ أرجع إلى البيت ظهرًا لفترة قصيرة ثم أعاود العمل مساءً، وهكذا كان الحال.
وتواصل الزوجة كلامها قائلة: مضت الأيام، وما إن تجاوزت الخادمة الشهر دون مشكلة؛ اللهم إلا شكوى من ألم في الرأس، حتى أحسست بالاطمئنان من ناحية سلوكها الأخلاقي، فأخذتها لمزيد من الفحوصات الطبية، ولعدم وضوح التحليل طلبوا فحص ثان وثالث، فقررتُ أن آخذها إلى معمل تحليل خاص، للتأكد من خلوها من أي مرض، وجاءت النتيجة بأنها غير مريضة لكنها حاملة للمرض".
ذهبتْ الزوجة مرة أخرى إلى الطبيب لكي تسأله عن تفاصيل مرض الشغالة، وإن كان هذا النوع من المرض مُعدي أم لا، فأجابها الطبيب مطمئنًا بأنه غير مُعدي، توكلتْ الزوجة على الله وقالت في نفسها مادامت الشغالة تقوم بالواجب وما دام مرضها غير معدي فلنُبقي عليها.
لكن وبعد مرور شهر وعشرة أيام من قدومها، صحتْ الزوجة ذات يوم صباحًا تنادي على الشغالة لكن لا من مجيب، فهرعتْ إلى الهاتف تخبر الوكالة، فقالوا لها يجب عليها أن تُبلغ الشرطة، وبالطبع ذهب الزوج وقدم بلاغًا رسميًا بهروب الشغالة، لكن لحسن الحظ كان جارهم متوجهًا إلى صلاة الفجر، فلمح باصًا صغيرًا عند الساعة الرابعة فجرًا يحوم بشكل مشبوه في المنطقة، ثم لمح الشغالة تطل من الباب، لذا قرر الجار تسجيل رقم الباص وذهب إلى الصلاة، وما إن سمع عن خبر هروب الشغالة من جاره حتى تأكد بأن الباص كان منتظرًا إياها، آنذاك أعطت الأسرة رقم الباص إلى الشرطة، وفي اليوم التالي عند الساعة الثامنة تلقت الزوجة مكالمة غريبة من أجنبية تدّعي بأنها من جمعية حماية العاملات، وبأن الشغالة الهاربة لديهم، وسألتها الزوجة ما سبب هروبها؟ وكيف عرفوا الرقم وكيف وصلت الشغالة إليهم؟ أجابت بأنها لجأت إلى الكنيسة وبحوزتها رقم الجمعية فاتصلت بهم وتوجهوا لأخذها! أما السبب، فهو كما تدّعي بأنه تقصير الأسرة في إطعامها! كيف؟ وأغلب ساعات النهار تكون الشغالة وحدها في البيت وتستطيع أن تأكل ما تشاء، لكن هذه هي الأسطوانة المشروخة التي تكررها أغلب الهاربات في مكاتب الأيدي العاملة أو في مراكز الشرطة.
وفي تلك الأثناء عرفت الشرطة مالك الباص، فطلبوا حضوره، لكنه أنكر علمه بأي شيء، وقال إن العمال قاموا بالأمر بشكل فردي، فطلبت الشرطة حضور العمال، فأرسل المالك من طرفه اثنان من العمال آخرين ليسا من أخذا الشغالة، وبما أنه لم يتعرف عليهما أحد من الشهود؛ أخلت الشرطة سبيلهما، وجاءت الشغالة بصحبة إحدى الأجنبيات إلى الشرطة، وتباكت أمامهم لكي لا يتركوها في مركز الشرطة، ولكي لا يسلموها إلى الوكالة، وبالطبع لا يريد أي طرف منهما أن يتحمل مسئولية وجود الشغالة عنده، لكي لا يتحمل تكاليف الطعام والشراب وغيره، فأرجعوها إلى الأجنبية التي جلبتها، ثم بعد أيام عدة وبعد إلحاح الزوجة على الشرطة اضطروا إلى إعادتها للوكالة، وبالطبع كان ذلك من حسن حظ الأسرة أن يتم إعادة الشغالة الهاربة إلى الوكالة، لأنهم ضمنوا عدم خسارة ما دفعوه من مال، على الرغم من خسارتهم وقتًا طويلًا من الانتظار بلا فائدة، وستخسر الأسرة وقتًا أطول، وجهدًا أكثر، وقهرًا وحرقة أعصاب، إلى حين إصدار التأشيرة، لجلب شغالة جديدة، وبالطبع لن تسترجع الأسرة كل المبلغ الذي دفعته. والسؤال المؤلم: من يقف بالمرصاد لمهربي العاملات؟ ومن المستفيد من ذلك؟ وهل يتم تشغيلهن في تجارة الجسد والفساد الأخلاقي؟
والسؤال المحير أكثر: من يعوّض المواطن؟ أين حقوق المواطن؟ ولماذا لا يقف القانون ومن يطبقه مع المواطن؟ ولماذا على المواطن دومًا أن يتحمل الخسارة؟ ومجددًا نناشد الجهات المعنية أن يقوموا بواجبهم لسن القوانين التي تضمن الحقوق والواجبات عند التعامل مع عاملات وعمال المنازل، وتطبيقها بشكل عادل ومنصف.
-----------------------------------
بقلم: د. أنيسة فخرو
* سفيرة السلام والنوايا الحسنة - المنظمة الأوروبية للتنمية والسلام






